عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
416
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
والسماء قد تجللت بالسحاب وأرعدت وأبرقت وأسبلت مطرا كأفواه القرب ، فاستبشر الرشيد بذلك واجتمع إليه خواصه وأهل مملكته يهنئونه ويبشرونه ، فقال علىّ بالشيخ الصالح فطلبوه فوجدوه في مكانه ساجدا في الماء والطين للّه ربّ العالمين ، فقالوا لبناته : ما لأبيكن هكذا لا يرفع رأسه ؟ فقلن هذه عادته إذا سجد للّه تعالى لا يفيق ولا يرفع رأسه إلى ثلاثة أيام ، فأخبروا بذلك الرشيد ، فبكى بكاء شديدا وقال اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بحرمة الصالحين أن تهبنا لهم وتفيض علينا من جزيل بركاتهم بفضلك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الخامسة والثمانون بعد الأربع مئة : عن السرىّ رضى اللّه تعالى عنه ) قال : مررت يوما في بعض البراري مع جماعة من إخواني على قصر قد أناخ عليه الزمان بكلكله ، فهدم أركانه وحطم بنيانه ، وقد بقيت معالمه وأبوابه ، وعلى أبوابه لوح مكتوب ، فنفضت التراب عن ذلك الكتاب ، ثم تأملته فإذا هو مكتوب فيه : هو السبيل فمن يوم إلى يوم * كفرحة النائم المهجوع في النوم إن المنايا وإن أصبحت في شغل * تحوم حولك حوما أيما حوم لا تعجلنّ رويدا إنها دول * دنيا تنقل من قوم إلى قوم قال : فدخلت القصر أنا وأصحابي فإذا بقية في وسطه من الزمرّد الأخضر مرصعة بالدرّ والياقوت والجوهر ، قد علاها الغبار من تطاول السنين والأعمار ، معلقة على أربعة أعمدة من ياقوت ، فتأملناها وأطلنا النظر فيها عليها منقوش هذا المنظر : قف بالقبور وناد المستقرّ بها * من أعظم بليت فيها وأجساد قوم تقطعت الأسباب بينهم * بعد الوصال فصاروا تحت ألحاد واللّه لو تعبروا يوما ولو نشروا * قالوا بأن التقى من أفضل الزاد قال فتأملنا متكأ الملك فإذا عليه مكتوب :